التصنيفات
موسوعة العلوم المالية والإدارية

المحاسبة – نشأتها وطبيعتها ومبادئها وفرضياتها وفروعها

المحتويات إخفاء

نشأة المحاسبة وتطورها التاريخي

نشأت المحاسبة نظرا لحاجة الإنسان إلى بيان العمليات المالية للنشاطات التي يقوم بها، وتطورت مع تطور الحياة الاقتصادية والاجتماعية والعملية للإنسان.

ويمكن تقسيم تطور المحاسبة والفكر المحاسبي إلى المراحل التالية:

أولاً: المحاسبة في العصور القديمة والوسطى

المحاسبة هي إثبات منظم لنشاط مؤسسة اقتصادية، نراها قديمة قدم اختراع الكتابة نفسها، نشأت في البحر الأبيض المتوسط فكانت مسايرة لظهور العد والقياس، وتقتصر على كشوف محاسبية كوسيلة لضبط خزائن وممتلكات الملوك والقياصرة والكهنة لمراقبة حركة مخازن المواد الحيوية كالحبوب والأخشاب لبناء السفن.

ففي الاقتصاد الآشوري كانت تعطى قيم مختلفة بحسب المنازل مما أدى إلى تطور علم الحساب وجعل الإثبات المحاسبي ممكناً، فكانت تثبت البيانات على ألواح من الفخار وتحفظ في صناديق مرتبة وفق أرشيف خاص، لكن هذا الإثبات كان مقتصراً على محاسبة المخازن.

وفي عهد الفراعنة كانت المحاسبة أيضا مقتصرة على المخازن لكن أكثر تطوراً وتفصيلاً، وخير مثال على ذلك قصة سيدنا يوسف عليه السلام كما وردت في القرآن الكريم، فقد احتفظ بالغلال مدة سبع سنين متتالية.

وفي عهد الإغريق والرومان لم تكن أشكال متطورة للتسجيل المحاسبي مثلما وُجدت في بلاد الشرق الأدنى القديم، فقد اكتفى بإثبات ديون الحرفيين والتجار بشكل عرفي على ألواح شمعية، كما أن نظام الأعداد الروماني القائم على استخدام الحروف دون وجود منازل قد أعاق لمدة طويلة حتى القرن الخامس عشر بعد الميلاد تطور علم الحساب والمحاسبة.

وفي العصر الوسيط الذي ساده نظام إقطاعي، اقتصر الإثبات المحاسبي على سجلات من رقائق جلود الحيوانات تمسك لدى كبار ملاك الأراضي من رجال الكنيسة والإقطاعيين لمراقبة استلام وتسليم محاصيل الفلاحين لسيدهم الإقطاعي.

ثانياً: المحاسبة في عصر النهضة ومبدأ القيد المزدوج

كان للحروب الصليبية دوراً في احتكاك سكان حوض المتوسط مع العرب الذين نقلوا العلوم والمعرفة إليهم خاصة في إيطاليا، الذي سمح بإدخال الرياضيات ونظام الأرقام العشري ليحل محل النظام العددي الروماني، فقدم النظام العشري الأساس لتطور علم الحساب والرياضيات والمحاسبة وبقية العلوم الأخرى، كما ساعد انتقال صناعة الورق إلى أوروبا عبر الأندلس في خلق أرضية ملائمة لنشوء علم المحاسبة. ولكن بقي الاعتماد على النظام العددي الروماني لأنه هو المعتمد قانوناً، فالتجار الإيطاليون كانوا يمسكون نوعين من السجلات مجموعة بالأرقام العربية لتسهيل العمليات والإثبات المحاسبي والأخرى بالنظام الروماني.

وبنهاية القرن الثالث عشر تقريباً ظهرت الحسابات الإسمية كحساب الألبسة الذي يبين حساب البضائع وانتشرت سريعاً، وفي نفس الوقت تقريباً بدأ التسجيل المحاسبي في الحسابات يأخذ شكل “منه – له” ممسوكاً وفق الشكل التقليدي المعروف حاليا بالحرف “T” وبدأت تظهر بوادر القيد المزدوج وتنتشر بشكل خاص في مجال الأعمال المصرفية.

إن بدايات مسك الدفاتر وفق القيد المزدوج قد ظهرت في فلورنسا في إيطاليا قرب نهاية القرن الثالث عشر، غير أن اختراع القيد المزدوج لا يعني اكتمال النظام المحاسبي فما زال ينقصه الإقفال. ففي القرن الرابع عشر استعملت لأول مرة عملية إقفال شكلي الحسابات وفي ذلك الوقت انتشرت المدارس المحاسبية في إيطاليا، وفي سنة 1494 نشر أول كتاب مرجعي في المحاسبة للعالم لوكا باسيولي بعنوان: “مراجعة عامة في الحساب والهندسة والنسب والتناسب” والذي شرح فيه الإثبات المحاسبي وفق نظام القيد المزدوج.

ثالثاً: المحاسبة في عصر الرأسمالية

في هذه المرحلة ساهمت المحاسبة مساهمة فعالة في انتشار الرأسمالية التجارية، إذ قدمت أداة عقلانية تقوم على تكميم الغاية (الربح) والوسائل (المشتريات والمبيعات، المصروفات والإيرادات)، وظهرت الحاجة إلى الميزانية العامة المنشأة فنتج عنها فرضية الدورية.

وفي سنة 1673 فُرض في فرنسا مسك السجلات المحاسبية وتطبيق أسلوب الجرد الفعلي وإعداد الميزانية العامة ولهذا ظهر التأثير القانوني على شكل ومضمون الميزانية لحماية حقوق الدائنين بالدرجة الأولى ثم بدأت تظهر السجلات المحاسبية من يوميات مساعدة وأستاذ مساعد وعام.

إن أهم المبادئ أو القواعد المحاسبية السائدة خلال مرحلة الرأسمالية هي:

  • مبدأ تحقيق الإيراد عند البيع
  • تحديد الربح وفق حجم المبيعات بمقابلة الإيرادات بالنفقات
  • اعتماد البيانات الفعلية التاريخية في الإثبات المحاسبي وتحديد نتيجة النشاط

مراحل التنظير المحاسبي

يُقصد بالتنظير المحاسبي الانتقال من البحث عن المبادئ إلى إنشاء معايير وذلك عن طريق تقييم المبادئ والقواعد المحاسبية السائدة في الحياة العملية.

وتوضح الأبحاث المحاسبية أن التنظير المحاسبي مر بثلاث مراحل أساسية وهي:

أولاً: مرحلة مساهمة الإدارة (1900-1933)

لقد تنامى دور الإدارة في التأثير على صياغة المبادئ المحاسبية مع انتشار الشركات المساهمة بعد سنة 1900 كشكل جديد للملكية ساهم في توسع الشركات ونمو حجمها.

فقد اتضح أن الشركات المساهمة هي وسيلة فعالة لتجميع رؤوس الأموال الضخمة نظراً لما توفره من مخاطر محدودة للمساهمين.

لقد أدى انتشار شكل الشركات المساهمة إلى ظهور خاصتين:

خاصية استمرار الشركات المساهمة دون عمر محدود

وهذه الخاصية هي الأساس الذي يقوم عليه فرض الاستمرارية “Concern Going” في المحاسبة المالية.

خاصية الملكية الغائبة

أي انفصال الملكية عن الإدارة وبالتالي ظهور الشخصية المعنوية المستقلة.

وكان لهذه الخاصية تأثير على تطور الفكر المحاسبي، وذلك على صعيدين:

1. الصعيد العملي

لقد أثرت ظاهرة الملكية الغائبة تأثيرا كبيرا على المحاسبة، فقد أظهرت أهمية الدور المحاسبي في مجال تقييم الإدارة وما يتطلبه ذلك من مقابلة الإيرادات بالمصروفات، مما أدى إلى تركيز الاهتمام على قائمة الدخل بالدرجة الأولى وانتشار تطبيق مبدأ مقابلة الإيرادات بالمصروفات واعتماد نتيجة الدورة كمؤشر لتقييم كفاءة الإدارة في استثمار الأموال الموكلة إليها.

وهكذا أصبحت الميزانية حلقة وصل بين قائمة الدخل والفترات المتعاقبة.

وتجدر الملاحظة إلى أن جذور نظرية الوكالة تعود إلى تلك الفترة المرتبطة بانتشار الشركات المساهمة.

فقد اعتبرت الإدارة وكيلاً عن الملاك المساهمين يقوم بإدارة المشروع لمصلحتهم ويرغب في إظهار مدى نجاحه في المهمة الموكلة إليه عن طريق تعظيم الأرباح المعلن عنها في القوائم المالية. إن توكيل الإدارة بالتصرف بالموارد الاقتصادية المتاحة للمنشأة واتخاذ القرارات نيابة عن المساهمين الملاك قد أعطى الإدارة سيطرة كاملة على شكل ومضمون القوائم المالية والإفصاح المحاسبي.

ولقد أدى هذا الوضع إلى اعتماد حلول خاصة متحيزة تخدم مصالح الإدارة، كلما أمكن ذلك وإيجاد حلول للمشاكل الملحة فقط.

إن اعتماد الإدارة في إيجاد حلول المشاكل كان له النتائج التالية:

  • افتقار غالبية الممارسات المحاسبية إلى الخلفية النظرية، وذلك بسبب السمة العملية للحلول المعتمدة؛
  • التركيز على الدخل الخاضع الضريبة بما يؤدي إلى تدنية ضريبة الدخل، إذ فرضت القوانين ضريبة على دخل الشركات المساهمة؛
  • اعتماد الممارسات والإجراءات المحاسبية بشكل يؤدي إلى تمهيد مستوى الدخل؛
  • تجنب معالجة المشكلات المعقدة واختيار حلول نفعية؛
  • اعتماد حلول مختلفة وممارسات مختلفة لنفس المشكلة في المنشآت المختلفة.

2. الصعيد النظري أو الأكاديمي

أي ماذا قدم الأساتذة والكتاب في هذه الفترة.

يُعد أستاذ المحاسبة وليام باتون صاحب أول محاولة عملية متكاملة لبناء نظرية المحاسبة وفق المنهج الاستنباطي، بنشر كتاب “نظرية المحاسبة” عام 1922، حيث حدد ستة فروض محاسبية أساسية، والتي سوف يتم توضيحها بالتفصيل فيما يلي.

الفروض المحاسبية لوليام باتون

حدد وليام باتون ستة فروض محاسبية أساسية، هي كما يلي:

الوحدة المحاسبية

ويقصد بها وجود شخصية معنوية مستقلة للمشروع كوحدة تنظيمية ترتبط هبا السجلات المحاسبية.

ويعد باتون أول من نادى باعتبار الوحدة المحاسبية شخصية معنوية مستقلة عن شخصية أصحاب المشروع.

الاستمرار

ويقصد بها أن المشروع مستمر في نشاطه ولا توجد نية في تصفيته وبناءً على فرض الاستمرار تقوم أصول المشروع الثابتة والمتداولة بالتكلفة التاريخية.

معادلة الميزانية

ويقصد أيضا فرض التوازن التام بين القيود المدينة والقيود الدائنة أو الأرصدة المدينة والأرصدة الدائنة أو التوازن بين إجمالي الأصول وإجمالي الخصوم.

ويمثل فرض التوازن جوهر تطبيق القيد المزدوج.

عدم تغير وحدة القياس النقدي

أو ما يسمى حديثا بفرض ثبات وحدة القياس النقدي، فالنقد هو المعادل العام للأصول والخصوم.

ورغم أن وحدة القياس النقدي غير ثابتة بسبب تغير الأسعار والتكاليف، فإن المحاسب مضطر إلى افتراض ثبات وحدة القياس النقدي.

التصاق أو تتبع التكلفة

يرى باتون أن الأصل يجب أن يثبت محاسبياً وفق تكلفة شراءه، فالتكلفة هي الحقيقة الوحيدة المتاحة عند حيازة الأصل.

أما في المنشآت الصناعية فيعتمد باتون على مفهوم “تتبع التكلفة” وبمعنى أن قيمة أي سلعة مصروفة في الإنتاج من مواد وأجور وتكاليف صناعية غير مباشرة تُحتسب على قيمة المنتج سوءا كان نهائياً أو مازال تحت التصنيع.

ويُعد مفهوم تتبع التكلفة الأساس الضروري لنظام محاسبة التكاليف.

استحقاق المصروفات وتحقيق الإيرادات أو الأرباح

ويُقصد هبا تسجيل المصروفات الفعلية وفق أساس الاستحقاق ومقارنتها مع الإيرادات المحققة بالبيع لاستخراج صافي الربح.

وهذا ما يُسمى حديثاً بمبدأ مقابلة الإيرادات بالمصروفات لتحديد نتيجة الربح من ربح وخسارة.

ثانياً: مرحلة مساهمة الجمعيات المحاسبية (1933-1973)

أدت الأزمة الاقتصادية لسنة 1929 إلى إفلاس الكثير من المنشآت الصغيرة والمتوسطة لحساب المنشآت الكبيرة التي أخذت تسيطر وتحتكر الأسواق.

وخوفاً من الإفلاس دفع هذا الوضع إدارات العديد من الشركات إلى المزيد من الاقتراض وإلى تقديم قوائم مالية مغايرة للواقع عن طريق اختيار إجراءات وسياسات محاسبية تؤدي إلى رفع قيمة الأصول وزيادة الأرباح صورياً، وهكذا تضررت مصالح المقرضين والمساهمين (أصحاب السندات والأسهم في السوق الأوراق المالية) الأمر الذي دفعهم إلى القضاء لمساءلة الإدارة أو المحاسب أو مدقق الحسابات، وكثيرا ما كانت أحكام القضاء تصدر ضد مدقق الحسابات أو المحاسب أو الإدارة دفاعاً عن المجتمع الاستثماري المالي ودرءاً للغش والتلاعب. وهذا ما زاد من طلب تدخل الدولة لتنظيم المبادئ المحاسبية وحماية المستثمرين، وذلك بوضع مبادئ تلزم الإدارة وتحمي المحاسبين والمراجعين في مختلف الشركات.

المبادئ المحاسبية والمعهد الأمريكي للمحاسبين القانونيين Aicpa

قام المعهد الأمريكي للمحاسبين القانونيين بإنشاء لجنة بهدف وضع مبادئ محاسبية مقبولة، حيث أصدر وثيقة سنة 1934 لتطوير مبادئ المحاسبة فاعتمد منهجاً وصفياً للمبادئ المحاسبية السائدة.

وأهم القواعد المحاسبية الصادرة في بيان المعهد الأمريكي هي:

  • قاعدة تحقق الإيراد للبيع؛
  • قاعدة عدم جواز إضافة المكاسب الرأسمالية إلى قائمة الدخل، أي عدم إضافة المكاسب الرأسمالية إلى أرباح العمليات العادية للمشروع؛
  • لا يجوز احتساب أرباح للأسهم أو فوائد للسندات المملوكة والعائد للشركة نفسها وعرضها دائنة في حساب الأرباح والخسائر؛
  • يجب استبعاد أوراق القبض الموقعة من موظفي الشركة أو موقعة من شركات تابعة، وإظهارها كمفردة مستقلة.

ولقد أطلقت اللجنة على مبادئ عام 1934 السابقة مصطلح “المبادئ المحاسبية المقبولة”:

في عام 1936، اعتمد المعهد مصطلح “المبادئ المحاسبية المقبولة عموما” بهدف توحيد الممارسة العملية وجعلها تتلاءم مع الظروف الاقتصادية والاجتماعية المتغيرة؛

في عام 1937، كوَّن المعهد لجنة الإجراءات المحاسبية بغرض تصنيف مجالات الاختلاف في التقارير والقوائم المالية؛

في سنة 1959، كوَّن المعهد الأمريكي هيئة المبادئ المحاسبية بهدف تطوير وتوضيح مضمون المبادئ المحاسبية تحت مصطلح “المبادئ المحاسبية المقبولة عموماً. وخلال حياتها (1959 – 1973) أصدرت الهيئة “آراء المبادئ المحاسبية” التي تعبر عن حلول مقترحة تواجهها المحاسبة. حيث واجهت الهيئة ضغوطات كبيرة بشكل خاص من مكاتب التدقيق الثمانية في الولايات المتحدة الأمريكية فهو كان يفتقر إلى إطار فلسفي متكامل للتصدي للمشاكل المختلفة.

ثالثاً: مرحلة التسييس (1973 وحتى الوقت الحاضر)

لقد باءت بالفشل محاولات الجمعيات المهنية (1933 – 1973) لصياغة نظرية محاسبية واستبعاد الممارسات المهنية غير المرغوب فيها والسائدة في الحياة العملية والحد من إساءة استخدام وتطبيق تلك الممارسات وبدائل القياس المحاسبي المتعددة والمتناقضة أحيانا، الأمر الذي أدى إلى حل هيئة المبادئ المحاسبية التابعة للمعهد الأمريكي وإنشاء هيئة معايير المحاسبة المالية في عام 1973.

منذ إنشاءها اعتمدت هيئة معايير المحاسبة المالية (بصورة أكثر من الهيئات واللجان السابقة) علميا استنباطياً استقرائياً وكذلك جعلت عملية التنظيم المحاسبي ووضع المعايير ذات طابع سياسي واجتماعي.

عند صدور تكليف هيئة معايير المحاسبة المالية عام 1973 كان غياب نظرية المحاسبة واضحا لجميع الجهات المعنية، ولقد لوحظ ذلك في أمر تكليف الهيئة، فبدلاً من تكليفها بمهمة تحديد الفروض والمبادئ العلمية كما كان ذلك بالنسبة لهيئة المبادئ المحاسبية السابقة، نجد أن المهمة الموكلة إليها ذات شقين:

  1. تكوين الإطار المفاهيمي لنظرية المحاسبة
  2. إصدار معايير التطبيق العملي

أي أن الاهتمام قد تحول من تحديد الفروض والمبادئ المحاسبية إلى تحديد الأهداف والمفاهيم والمعايير.

الشق الأول: تكوين الإطار المفاهيمي لنظرية المحاسبة

لقد حققت هيئة المعايير المالية بالنسبة للإطار المفاهيمي نشاطا علميا وإنتاجيا متميزا، وقدمت بذلك قاعدة هامة لتطوير نظرية المحاسبة إذ صدرت عن الهيئة بين 1978 و1985 ست بيانات كما صدر حديثاً بيان سابع في عام 2000.

الشق الثاني: إصدار معايير التطبيق العملي

لقد حققت هيئة المعايير المحاسبية المالية نجاحا ملحوظا أيضا بالنسبة لمعايير التطبيق العملي، فقد صدرت عن الهيئة حتى آذار 1995، عدد 121 معياراً محاسبياً تناولت المبادئ السابقة بالتعديل وإعادة الصياغة والتوضيح.

الطبيعة العلمية للمحاسبة

لدراسة الطبيعة العلمية للمحاسبة نجد خلاف في وجهات النظر حول طبيعتها العلمية، هل المحاسبة فن أم علم؟ أم ماذا؟

والإجابة على هذا السؤال تحكمه مجموعة من الآراء يمكن تلخيصها في ثلاث مدارس فكرية:

أولاً: المدرسة الفنية

إن أصحاب هذه المدرسة ينظرون إلى أن المحاسبة ماهي إلا تطبيقات لفنون وممارسات المحاسبين، دون أن يسترشدوا ببعض المبادئ العلمية والأسس والأصول المحاسبية، لذا تركز هذه النظرية على الجانب العملي والتطبيقي لتدوين الأحداث الاقتصادية والمعاملات المالية.

ومن مؤيدي هذه المدرسة المحاسب الفرنسي دي مور MURE DE  إذ قدم تعريف للمحاسبة يؤيد هذه النظرية، جاء فيه: “إن المحاسبة هي مجموعة دفتر أستاذ Book Ledger وبعض الدفاتر الأخرى، والسجلات والمستندات التي تمكن من التسجيل في الحسابات مع تلافي إضاعة الوقت، أو الوقوع في الأخطاء، بالإضافة إلى تلخيص أو مراقبة القيود المسجلة في الحسابات واستخلاص الملاحظات المختلفة لحسن إدارة المشاريع التجارية أو الصناعية أو الزراعية”.

إن هذه الأفكار المعبرة عن تلك المدرسة قد لاقت قبولاً في بداية ظهور واستخدام المحاسبة بمفهومها الفني والبسيط، بسبب كون مجال استخدامها كان ضيقا وحجم أعمال المشروعات كان صغيرا كما أن الطابع والشكل القانوني لملكية تلك المشروعات كان فردياً.

وتجسد كل ذلك من جراء تطبيق نظام القيد المفرد كأساس للتسجيل المحاسبي، واستمر هذا الوضع لغاية حصول تطور نوعي ملموس في نظام التسجيل المحاسبي في القرن الرابع عشر عندما بدأ الحديث في الأوساط المهتمة بمهنة المحاسبة بالانتقال إلى نظام مغاير للتسجيل المحاسبي اصطلح عليه نظام القيد المزدوج أو (نظام الحساب الثنائي)، وتطورت هذه الأفكار خلال أكثر من قرن لحين ظهورها بشكل مكتوب في نهاية القرن الخامس عشر وذلك عندما أصدر الباحث الإيطالي لوكا باسيولي كتابه عام 1494 تناول فيه نظام القيد المزدوج.

وكان ذلك بمثابة الأساس الموضوعي لظهور المدرسة الثانية.

ثانياً: المدرسة العلمية

مثلما أسلفنا فإن الكتاب الذي أصدره الباحث الرياضي لوكا باسيولي عام 1494 قد أفرد فيه فصلاً عن نظام القيد المزدوج (نظام الحساب الثنائي) ليشكل البداية الفعلية لهذه المدرسة، نظرا لعدم إمكانية استمرار تبني آراء المدرسة الفنية وعدم ملائمة القيد المفرد كنظام لتسجيل الأحداث والمعاملات المالية، التي بدأت تلك الأحداث تتوسع وتزداد انعكاساً لتوسع حجم ونوع الأنشطة والفعاليات الاقتصادية.

إن جوهر هذه النظرية يدعوا إلى اعتبار المحاسبة علماً فقط له مبادئ وأسس علمية وفلسفية نظرية ومجال ومنهج بحث علمي كباقي العلوم.

ومن مؤيدي هذه النظرية (غابريل فور) FAURE GABRIEL الذي قدم تعريفا للمحاسبة بأنها:

“علم الحسابات، يمكن من تسجيل الحوادث التي تؤثر على مجموعة من الأموال لإظهار تفاصيل هذه الحوادث والنتيجة التي تنتج عنها”.

غابريل فور – تعريف المحاسبة

كما عرف ليون باتارودون BATARDON LEON بأن:

“المحاسبة هي العلم الذي يبين القواعد الواجب اتباعها لتسجيل العمليات الاقتصادية التي يقوم هبا شخص واحد أو عدة أشخاص”.

ليون باتارودون – تعريف المحاسبة

إن المدرسة الثانية قد عالجت بعض أوجه قصور المدرسة الأولى، لكنها ذاتها لم تخلو من بعض العيوب، وفي مقدمتها نظرتها الأحادية الداعية إلى أن المحاسبة هي علم فقط، وإغفال الجانب الفني عنها. ونظراً لعدم قدرة أصحاب هذه المدرسة على الصمود والاستمرار في الدفاع عن آرائهم.

وهذا ما استدعى ظهور مدرسة ثالثة كبديل عن المدرستين السابقتين.

ثالثاً: المدرسة الحديثة

إن أصحاب هذه المدرسة لهم رأي مغاير عن المدرستين السابقتين، بحيث يرون بأن المحاسبة علم وفن معاً إذ تحكمها أسس ومبادئ وقواعد ومعايير وأصول وفرضيات وأهداف تتجسد في صياغة نظرية علمية يتم الاستفادة منها والاسترشاد بها في تطبيق الأنظمة المحاسبية في تحقيق الهدف العام للنظام المحاسبي المتمثل بإنتاج وخلق المعلومات المحاسبية اللازمة لاتخاذ القرارات.

نجد أن الأسس قائمة لكن التطبيق متباين طبقاً لآراء وأفكار ومعالجات هذا المحاسب أو ذاك.

ملاً لا بد من حساب مصروف الإهلاك للتعبير عن تناقص قيمة الأصول الثابتة، حيث يعتبر ذلك أمراً أساسياً لا بد من الالتزام به من قبل جميع المحاسبين انسجاماً مع كل من مبدأ التكلفة التاريخية من جهة، ومبدأ مقابلة الإيرادات بالمصاريف من جهة أخرى، لكن نجد أن تطبيق هذا المبدأ متباين بين محاسب وآخر، حسب طريقة ومعدل الإهلاك. وكذلك لا بد من تقويم المخزون الصادر من المخازن إلى مراكز التوزيع بالنسبة للمؤسسات التجارية، أو إلى الأقسام الإنتاجية بالنسبة للوحدات الصناعية، لكن الجانب الفني هنا الذي يختلف حوله المحاسبون، أي من طرق تسعير المخزون التي يستخدمها هذا المحاسب أو ذاك، من الطرق الثلاثة عشر لتسعير المخزون.

من هذه الأمثلة وغيرها تأكد صحة الرأي القائل بأن المحاسبة هي أحد العلوم الاجتماعية، لها أحكامها وأصولها.

كما أنها فن من الفنون التي تعتمد على طريقة فنية للتسجيل المحاسبي للأحداث والمعاملات المالية، والمعالجة المحاسبية لها بما لا يتعارض مع الأصول والمبادئ العلمية والقواعد الأساسية في المحاسبة. كما أن إضفاء الطابع العلمي للمحاسبة ينسجم مع فلسفة تطور الفكر المحاسبي ذاته، والذي كان نتيجة موضوعية لتلبية حاجات ومتطلبات اجتماعية وسياسية واقتصادية وقانونية وبيئية وغيرها من العوامل التي تعكس تطور المجتمع البشري، وحاجة مختلف فئاته إلى نظام للمعلومات يساعدهم في اتخاذ القرارات، فكانت المحاسبة بإطاريها العلمي والعملي تلك الأداة الفعالة التي حققت هذه الأهداف.

الخلاصة

وهكذا كان ظهور المحاسبة وليد التطور الصناعي والتجاري، فأصبح من الضروري على أصحاب رؤوس الأموال الضخمة والشركات الكبرى أن يسجلوا عملياتهم في الدفاتر والسجلات بشكل يسمح لهم بمعرفة ما عليهم من ديون تجاه الغير، وما لهم من مطلوبات مستحقة لصالحهم. وتتجسد مكانة المحاسبة في إعطاء ونقل المعلومات المالية والاقتصادية مع تبيان المركز المالي الحقيقي للمؤسسة، كما تقوم بتقديم البيانات والنتائج للجهات الإدارية العليا مما يساعدنا على اتخاذ القرارات السليمة، خاصة بالنسبة للحكومة في تحديد سياستها الاقتصادية كوسيلة للرقابة والتخطيط، وكذلك بالنسبة للبنوك في إمكانية منح القروض، وإدارة الضرائب في تحديد الوعاء الضريبي، وغيرها من الهيئات الإدارية الناشطة في مختلف المجالات.

ماهية المحاسبة

لقد كان لقيام الثورة الصناعية في أوربا، وتدفق رؤوس الأموال نحو الصناعة انعكاسات هامة أدى إلى ضرورة البحث في تطوير الأساليب والنظم المحاسبية بقصد تحقيق الهدف الأول وهو إحكام الرقابة، خاصة في المشاريع الصناعية الكبرى التي تواجه مشاكل إدارية تتعقد يومًا بعد يوم، وكذا هدف رسم السياسات السلبية مع تجنب أخطاء الماضي. لهذا تعتبر المحاسبة أداة لا يمكن الاستغناء عنها من أجل التسيير الناجح لمختلف المؤسسات، وفق قيود وشروط محددة تستوجب استعمال مجموعة من المبادئ والأسس والقواعد في تحليل العمليات المالية والمحاسبية عند حدوثها وتسجيلها على أساس الوثائق المثبتة لها، ثم تبويب وتصنيف هذه العمليات وتلخيصها في الوقت المناسب وبصورة سليمة، حتى تتمكن إدارة المؤسسة من تسييرها بكفاءة ونجاح.

مفهوم وتعريف المحاسبة

لقد وردة عدة تعاريف لتوضيح ما المقصود بمفهوم المحاسبة، سنحاول أن نورد بعض التعاريف التي توضح مفهوم المحاسبة الذي أورده بعض الكتاب والباحثين في مجال المحاسبة، وكذلك بعض التعاريف الصادرة عن بعض الجمعيات العلمية والمعاهد المتخصصة في المحاسبة.

تعريف المحاسبة 1

المحاسبة هي علم يشمل مجموعة من المبادئ والأسس والقواعد التي تستعمل في تحليل العمليات المالية عند حدوثها، وتسجيلها من واقع مستندات مؤيدة لها، ثم تبويب وتصنيف هذه العمليات وتلخيصها بحيث تمكن الوحدة الاقتصادية من تحديد إيراداتها وتكلفة الحصول على هذه الإيرادات، ومن ثم استخراج نتيجة أعمالها من ربح أو خسارة عن فترة مالية معينة، وبيان مركزها المالي في نهاية هذه الفترة.

تعريف المحاسبة 2

تعريف المعهد الأمريكي للمحاسبين الأمريكيين AICPA:

المحاسبة هي: “عملية تسجيل وتصنيف (تبويب) وتلخيص العمليات التجارية ذات الأثر المالي، إضافة لاستخلاص النتائج المالية وتفسير هذه النتائج وتحليلها”.

تعريف المحاسبة 3

المحاسبة هي مجموعة من الإجراءات والطرق الفنية الموجهة لمتابعة نشاط المؤسسة، ومدى تأثيره على هيكلة أموالها أو ذمتها المالية خلال مدة معينة هي عمومها السنة المالية.

تعريف المحاسبة 4

المحاسبة هي مجموعة من المبادئ والقواعد المتعارف عليها التي تُستعمل في تسجيل وتبويب وتحليل العمليات المالية والتبادلات التجارية ذات القيمة النقدية في السجلات المحاسبية لغرض تحديد نتائج عمليات الوحدة الاقتصادية خلال فترة مالية معينة وكذلك المركز المالي في نهاية تلك الفترة.

المبادئ الأساسية للمحاسبة

ترسم المبادئ المحاسبية الإطار العام الذي يحكم الطرق والإجراءات المتبعة في إثبات العمليات المالية وفي إعداد القوائم والبيانات المالية.

والمبادئ المحاسبية هي تعميمات أو إرشادات توجيهية عامة لما يجب أن يتبعه المحاسب في ظرف أو موقف معين.

وهي من صنع الإنسان تطورت عبر السنين لاستخدامها كأداة عملية تساعد في حل المشاكل المحاسبية.

وتتصف هذه المبادئ بالشمول والملائمة وبالقابلية للاستخدام في معظم المشروعات الاقتصادية.

وهذه المبادئ خلافاً للقوانين الرياضية والعلمية لم تُشتق علمياً.

لذا يُعاد النظر فيها باستمرار ويجري تعديلها لتتماشى وظروف البيئة الاقتصادية المحيطة بتطبيقها واستخدامها.

في رأي مجلس معايير المحاسبة المالية FASB هناك أربعة مبادئ محاسبية مشتقة من الفروض المحاسبية وهي:

  1. مبدأ التكلفة التاريخية؛
  2. مبدأ الاعتراف بالإيراد؛
  3. مبدأ مقابلة الإيرادات بالمصروفات؛
  4. مبدأ الإفصاح الشامل.

أولاً: مبدأ التكلفة التاريخية

بموجب هذا المبدأ فإن التكلفة هي أفضل أساس لتقييم موجودات المنشأة.

وتتضمن التكلفة جميع النفقات والمصروفات التي تكبدتها المنشأة في الحصول على الأصل وحتى أصبح جاهزاً للاستعمال في مكانه المخصص له بالمنشأة، ومن أجل الغرض الذي أمتلك من أجله.

وبذلك فهي تشمل ثمن الشراء بالإضافة إلى جميع مصروفات الشراء من عمولة ونقل وشحن وتأمين وجمارك ومصروفات التركيب والإشراف والتجارب.

وهناك اتفاق عام بين مستخدمي ومعدي القوائم المالية، وهذا يعني يجب أن تُعد هذه القوائم المالية وفقاً للتكلفة الحقيقية للحصول على هذه العناصر.

وتتميز التكلفة التاريخية بسهولة التحقق من صحتها وموضوعيتها، وذلك لأن الأسعار محددة ومعروفة بالكامل عند حدوث الصفقة أو المعاملة التجارية، وهي غير قابلة للجدل أو التغير، كما أنها واقعية لتوافر المستندات والوثائق المؤيدة لها.

ومن هنا تكون البيانات المالية المعدة بموجب التكلفة التاريخية دقيقة ولها أساس حقيقي وموضوعي قابل للصحة والتحقق، وغير خاضعة للحكم الشخصي.

وبالرغم من كل ما تقدم، فإن تطبيق أساس التكلفة التاريخية يواجه عدة انتقادات وبخاصة في حالة التضخم، حيث أن القيم التاريخية تصبح غير واقعية، وبالتالي لا تمثل القوائم المالية المركز المالي الحقيقي للمنشآت الاقتصادية، فضلاً عن صعوبة المقارنة بين المراكز المالية خلال عدة فترات محاسبية متتالية.

ثانياً: مبدأ الاعتراف بالإيراد

يمكن تعريف الإيراد بأنه التدفق الداخل الذي يؤدي إلى زيادة أصول المنشأة أو إلى نقص في المطلوبات أو الاثنين معا، وذلك نتيجة بيع السلع أو تقديم الخدمات.

كذلك يشمل الإيراد التدفقات الناجمة عن استخدام موجودات المنشأة كالإيجارات والفوائد الدائنة خلال السنة المالية.

والإيراد هو المقياس المحاسبي للأصول المستلمة من بيع السلع وتقديم الخدمات، ويقاس الإيراد بالنقدية أو ما يعادلها من قيمة للشيء المستلم مقابل السلع والخدمات المباعة، ويشمل أيضا الأرباح الناتجة عن بيع أو تبادل أصول غير النقدية، بالإضافة إلى الأرباح الناتجة عن التسويات المرجحة للالتزامات.

والقاعدة العامة أن يعترف بالإيراد عند نقطة البيع، وقد يعترف به عند استلام الثمن أو عند الإنتاج أو بعد نقطة البيع.

وهناك شرطان للاعتراف بالإيراد وهما:

  1. أن يكون قد تحقق أو قابل للتحقق
  2. أن يكون قد اكتسب

والاعتراف بالإيراد يتمثل في عملية إثبات المعاملات في السجلات المحاسبية والقوائم المالية . ومما تجدر الإشارة إليه أن هناك أساسان من الأسس الواجب إتباعها عند تحقق الإيراد أو المصروف وهما:

1. الأساس النقدي

ويقضي هذا الأساس أن يتم الاعتراف بالإيراد عند استلام النقدية وكذلك المصروف عند دفع النقدية، وبموجب هذا الأساس فإن صافي الربح هو الفرق بين الإيرادات المقبوضة نقداً والمصاريف المدفوعة، أي أنه يمثل صافي الربح النقدي.

ويستخدم هذا الأساس في محاسبة المهن الحرة كالأطباء والمحامين والمهندسين والمنظمات التي لا تهدف إلى تحقيق الربح كالنوادي والجمعيات الخيرية وكذلك في حالة البيع بالتقسيط.

2. أساس الاستحقاق

ويعني هذا الأساس تحميل كل فترة مالية بجميع ما يخصها في إيرادات تم اكتسابها وتخص هذه الفترة سواء قبضت أم لم تقبض ومن مصاريف ونفقات تخص الفترة دفعت أم لم تدفع.

وبموجب هذا الأساس فإن لكل فترة مالية شخصية قائمة بذاتها ومستقلة عن الفترات الأخرى مما يتيح تصوير نتيجة أعمال تلك الفترة المالية بشكل صحيح وفعلي.

هذا بالإضافة إلى أن عملية المقارنة بين السنوات المالية تكون أسهل، وإمكانية فرض الرقابة أفضل.

ثالثاً: مبدأ مقابلة الإيرادات بالمصروفات

لقد نشأ هذا المبدأ انسجاما مع التطبيق العملي لفرض الفترة المحاسبية أو تقسيم عمر المشروع إلى فترات دورية متساوية.

ويقوم هذا المبدأ على تحديد صافي دخل المشروع لفترة زمنية معينة (سنة مالية غالباً) وذلك بمقارنة المصاريف التي تكبدها المشروع خلال تلك الفترة مع الإيرادات التي تولدت عن هذه المصاريف.

أي أننا نطرح من الإيرادات الكلية جميع المصاريف المستنفذة في سبيل تحقق الإيراد لنفس الفترة المالية.

رابعاً: مبدأ الإفصاح الشامل

يُعتبر الإفصاح في الوقت الراهن من المبادئ المحاسبية التي يمكن أن تسهم بفعالية في إثراء قيمة المعلومات المحاسبية التي تظهرها القوائم والتقارير المالية في ظل المبادئ القائمة.، وينص هذا المبدأ على أنه يتوجب على إدارة الشركة نشر كافة المعلومات المالية الضرورية في تقريرها المالي السنوي بشكل تام وكامل والتي تجعل القوائم المالية واضحة ومفهومة لقرّائها مع عدم جواز حذف أي معلومات جوهرية.

فرضيات المحاسبة

على الرغم من أن كلمة الفرض أو الافتراض تعني إمكانية صحة هذا الأمر أم عدم صحته، إلا أن هناك إجماع محاسبي على صحة الفروض المحاسبية إذ أن الفرض المحاسبي هو افتراض يتسم بالصحة والسلامة والقبول العام كإطار تمهيدي للوصول إلى الحقيقة العلمية المؤكدة بالبراهين، وكما يسجل للفروض المحاسبية قابليتها للتطوير والتغيير تبعا للتطورات الاقتصادية والاجتماعية والقانونية للبيئة المحيطة بالمنشأة، لا سيما وأن النظام المحاسبي نظام مفتوح يتأثر بالبيئة المحيطة به ويؤثر بالبيئة المحيطة بها.

وعموما فإن أكثر الفروض المحاسبية قبولاً هي:

  1. الاستقلالية؛
  2. الاستمرارية؛
  3. الفترة المحاسبية؛
  4. وحدة القياس النقدي.

الاستقلالية

يستند هذا الافتراض إلى حقيقة مفادها استقلالية المشروع (أو الوحدة الاقتصادية) عن مالكيها أو عن الذين يتولون إدارتها.

لذا يُنظر إلى المشروع باستقلالية وفصل كامل عن مالكيه وإدارته مالياً وقانونياً واجتماعياً وغيرها.

وانطلاقاً من الاستقلالية المالية للمشروع عن المالية للمالكين واستقلالية الشخصية المعنوية عن شخصية أصحاب المشروع تم استنتاج ما يسمى بالمعادلة المحاسبية التي تُستخدم عند تحليل العمليات المالية والتي تفيد بأن:

الأصول = الالتزامات + حقوق الملكية

إن ملخص هذه المعادلة مفاده أن موجودات أو ممتلكات المشروع تساوي بالتأكيد التزامات المشروع تجاه الغير وتجاه أصحاب المشروع، الأمر الذي يعني أن جميع الأصول والالتزامات والحقوق المتعلقة بصاحب المشروع ولا تتعلق بالمشروع ذاته يتم تجاهلها وعدم ذكرها في دفاتر المشروع وسجلاته.

الاستمرارية

يفيد هذا الفرض أن المشروع مستمر في عملياته إلى أمد غير محدود ما لم تظهر أدلة موضوعية ودلائل تثبت عكس ذلك، كما هو الحال عند تصفية المشروع أو دمجه بآخر حيث ينهي ذلك استمرارية المشروع، وهذا يفيد كثيراً في الجوانب العلمية إذ لا نجد محاسباً يذكر في القوائم المالية ما يمكن الحصول عيه في حالة تصفية الشركة وهذا ما يستدعي أيضاً تسجيل الأصول الثابتة وامتلاكها عبر عدة سنوات عوضاً عن امتلاكها لسنة واحدة.

الفترة المحاسبية

بما أن استمرارية المشروع هي أحد الفروض المحاسبية التي تفترض أن حياة المشروع مستمرة إلى ما لا نهاية أو على الأقل إلى عدد كبير من السنوات، فإن هذا الأمر يقلق المستثمر (صاحب المشروع) لأنه من غير المنطقي أن ينتظر حتى ينتهي عمر المشروع ليتعرف على صافي دخله أو ما حققه الاستثمار في هذا المشروع، لذلك تم افتراض تقسيم عمر المشروع الاقتصادي إلى فترات زمنية متساوية ومتتابعة وتم التعارف على أن تكون الفترة الزمنية الواحدة سنة ميلادية تسمى الفترة المحاسبية أو السنة المالية يتم خلالها إعداد التقارير وبيان نتائج العمليات، بهدف تحديد الضريبة المستحقة على المشروع وقياس مدى كفاءة إدارة المشروع ومدى النجاح والنمو الذي حققه المشروع.

هذا بالإضافة إلى إعطاء صورة عن واقع المشروع بهدف تطويره وتنميته وتعزيز نقاطه الإيجابية ومعالجة جوانبه السلبية.

وحدة القياس النقدي

تعتمد هذه الفرضية على أن وحدة النقود هي أفضل وسيلة لقياس العمليات التجارية ومقارنتها، حيث يمكن تسجيل هذه العمليات بلغة رقمية تترجم القيمة النقدية لهذه لعمليات وبخاصة أنها العامل المشترك لعمليات المنشأة جميعها.

وعليه يمكننا إجراء المقارنة بين سنة وأخرى على أساسها.

ومن عيوب هذه الفرضية أنها تعتمد على ثبات الوحدة النقدية بين فترة زمنية وأخرى، وهذا ما أثبتته السنوات الأخيرة من تذبذبات الأسعار في القوة الشرائية لوحدة لنقود.

وكذلك تفيدنا عند إعداد التقارير، حيث تعتمد دون سواها من وحدات القياس الأخرى لقياس الوزن أو الطول أو اعتماد العدد.

وظائف المحاسبة

للمحاسبة عدة وظائف من بينها:

الوظيفة القانونية

تنص مواد القانون التجاري في معظم الدول على أن: “كل شخص معنوي أو طبيعي له صفة التاجر يجب عليه مسك الدفاتر ليسجل العمليات المحاسبية”.

لذا فإن القانون التجاري ينص على أن مسك الدفاتر المحاسبية عملية إلزامية قانونية.

كما أن تحديد الوعاء الضريبي يتم انطلاقاً من النتائج المدونة على مستوى المحاسبة.

الوظيفة التسييرية

تعمل المحاسبة على تزويد الإدارة بالمعلومات المالية والاقتصادية والمحاسبية الضرورية لاتخاذ القرارات السليمة.

كما تساعد المعلومات المحاسبية إدارة المؤسسة في الرقابة على الموارد المالية والبشرية.

وتعتبر المحاسبة أداة من أدوات التسيير.

فروع المحاسبة

للمحاسبة عدة فروع نذكر منها:

1. محاسبة المؤسسة

وهي تلك المحاسبة الموجهة خصيصاً لخدمة غرض أو أغراض المؤسسات، لا سيما الاقتصادية منها، خدمية كانت أو إنتاجية خاصة كانت أو عمومية.

ويمكن التمييز بين ثلاثة أنواع من محاسبة المؤسسة كما يلي:

  1. المحاسبة المالية
  2. المحاسبة التحليلية
  3. المحاسبة التقديرية

المحاسبة المالية

ويطلق عليها البعض لفظ “المحاسبة العامة” والبعض الآخر لفظ “المحاسبة المعمقة”.

وتعني مجموعة من الإجراءات والوثائق والمستندات الموجهة لمسايرة نشاط المؤسسة على امتداد السنة المالية الواحدة، بقصد تقويمه وإثبات أثره على مكونات الذمة المالية للمؤسسة استناداً إلى نظام محاسبي موحد “دليل محاسبي وطني”، يكفل تجانس المعالجة المحاسبية بين جميع المتعاملين الاقتصاديين، ومن هنا كانت تسميتها ووضعيتها من حين لآخر.

فهي محاسبة عامة لأنها تسري على تقويم النشاط العام للمؤسسة على امتداد السنة المالية.

وهي محاسبة معمقة لأنها تقوم بكل هذه الأمور وتضطلع بمجمل هذه المهام استناداً إلى دليل (مخطط) محاسبي وطني موحد، بمعنى تعميق آليات المعالجة المحاسبية لمجريات أحداث النشاط العام للمؤسسة وفق نصوص ومحتويات هذا الدليل.

المحاسبة التحليلية

ويطلق عليها البعض عبارة “محاسبة التكاليف” والبعض الآخر “محاسبة الاستغلال”، وتعني مجموعة من الإجراءات والتقنيات الموجهة لمسايرة تكاليف الأداء على امتداد فترة زمنية محددة (أسبوع، شهر، ربع سنوي، …)، بقصد تقويم المنتجات أو الخدمات المنبثقة عن النشاط من جهة، ومراقبة شروط التشغيل الداخلي (الاستغلال) من جهة أخرى.

من هنا كانت تسمياتها المختلفة بحيث تظهر كما يلي:

هي محاسبة تحليلية لأنها تنصب على تحليل نشاط المؤسسة عبر وظائف ومراكز تكاليفية لغرض مسايرة آلية تجميع التكاليف ضمن هذه الوظائف أو المراكز أو الأنشطة الجزئية، وبالتالي تحميلها إلى المنتجات أو لخدمات المتوجة للنشاط العام.

وهي محاسبة التكاليف لأنها تكرِّس كل مسعاها لمسايرة التكاليف الموافقة للمنتجات أو الخدمات التي يتم تأديتها، وبالتالي حسابها بصورة دقيقة لا سيما الفعلية منها، أي التي حدثت في الزمن الماضي.

وهي محاسبة استغلال لأنها تستهدف مراقبة شروط التشغيل الداخلي (الاستغلال) لإعادة النظر في آلية سير النشاط على مستوى مراكز التحليل المتاحة في المؤسسة، و بالتالي ترشيده.

المحاسبة التقديرية

ويطلق عليها البعض لفظ ” المحاسبة المعيارية ” والبعض الآخر لفظ ” المحاسبة النمطية” وتعني اعتماد محاسبة تحليلية بقيم تقديرية متوقعة للزمن القادم (المستقبلي)، لذلك فالمحاسبة التقديرية امتداد للمحاسبة التحليلية بل هي فرع منها، غير أن الأولى تُبنى على تقديرات أو أرقام وقيم محددة مسبقاً، والثانية تُبنى على أرقام و قيم فعلية متوجة للنشاط، على أن الفرق بينهما (أي بين ما هو مقدر وما هو متحقق فعلاً) يشكل وسيلة للمؤسسة لترشيد نشاطها وهو ما يسمى بتحليل الفروق ECARTS LES المتوجة لمراقبة التسيير de contrôle gestion

2. المحاسبة الضريبية

وتعني عرض البيانات المحاسبية اللازمة لأغراض تحديد الربح الضريبي وفق أحكام القوانين الضريبية، كما تبحث في عرض وتحليل نواح الاختلاف بين المبادئ المحاسبية المتعارف عليها وأحكام وقوانين الضريبة من أجل تقريب وجهات النظر في القضايا المختلف عليها، وعلى محاسب الضرائب أن يلم إلماماً كافياً بقوانين الضرائب وبجميع التعليمات والتفسيرات الخاصة بتلك القوانين محاسبياً وضريبياً.

3. المحاسبة الإدارية

عرفت الجمعية الأمريكية للمحاسبة المحاسبة الإدارية على أنها تطبيق لوسائل ملائمة ومفاهيم مناسبة من أجل خلق بيانات اقتصادية تاريخية متوقعة لأي مؤسسة لمساعدة الإدارة في وضع خطط لتحقيق تلك الأهداف، وقد ظهرت المحاسبة الإدارية نتيجة لتطور العملية الإدارية وزيادة احتياجها للبيانات والمعلومات اللازمة، لترشيد القرارات حيث تهدف المحاسبة الإدارية إلى استخراج البيانات الاقتصادية التي تساعد الإدارة في أدائها لوظائفها المختلفة كالتخطيط والرقابة.

4. المحاسبة العمومية

وهي تلك المحاسبة الموجهة خصيصاً لخدمة غرض أو أغراض المؤسسات غير الاقتصادية، أي المؤسسات ذات الطابع الإداري، والتي تعود في وصايتها إلى الدولة أو هيئاتها القاعدية (البلدية، الولاية، الوزارة، …) ويسميها البعض بالمحاسبة الموازناتية budgétaire لأنها تنبني على الموازنة بين الإيرادات والنفقات، فهي بالتالي محاسبة متميزة تقوم على تسيير الإيرادات الموفرة من طرف الدولة في شكل نفقات موزعة على الإدارات العامة (القطاع الحكومي)، لذلك تحكمها إجراءات وميكانيزمات خاصة.

5. المحاسبة الوطنية

وهي تلك الحسابات القومية (الوطنية) المجمعة عند كل الأعوان الاقتصاديين كتتويج لنشاط المجتمع الممثلين له (الدولة)، في غضون السنة المالية الواحدة أو مجموعة سنوات معينة، على أن تشكل المعلومات المستقاة من المحاسبة العامة خاصة على مستوى كل المؤسسات الاقتصادية، أهم مورد معلوماتي لهذه الحسابات، بالإضافة إلى صافي المعاملات مع الخارج، وغيرها من الأمور المتعلقة بحسابات الناتج الوطني الخام، والصافي أو القيمة المضافة أو غير ذلك.

إذا فالمحاسبة هي الركيزة الأساسية والوظيفة الحيوية في المؤسسة، لذا يجب أن تحترم المبادئ والقواعد التي تقوم عليها حتى تكون أكثر مصداقية ودقة وأكثر تعبيراً عن الواقع الذي تعيشه المؤسسة.

كما أن هناك العديد من المهام والأدوار الموجودة في المؤسسة لا يمكن تحقيقها إلا من خلال مسك محاسبة دقيقة ومنظمة.

الأطراف المستفيدة من المحاسبة

 هناك عدة أطراف تستفيد من المحاسبة لأي مؤسسة أو شركة، وهي:

 إدارة المنشأة (المستخدم الداخلي)

المستويات الإدارية المختلفة داخل المنشأة التي أعدت التقارير المالية لاحتياج إدارة المنشأة للمعلومات المحاسبية لمساعدتها في اتخاذ القرارات الاقتصادية الرشيدة مثل مدى حاجة المنشأة للسيولة النقدية، بالإضافة إلى حاجة إدارة المنشأة للتأكد من تحقيق أهدافها طويلة الأجل في تحقيق الربح.

ويكون ذلك من خلال تقارير تفصيلية داخلية إضافة للتقارير المالية والقوائم التي يتم إعدادها.

المستخدم الخارجي

وتشمل جميع الأطراف غير إدارة المنشأة وهي:

أصحاب المنشأة ( الملاك)

للتعرف على مدى نجاح أعمالهم وقياس مدى كفاءة الإدارة في استخدام وحماية أموالهم.

هذا بالإضافة إلى اتخاذ القرارات المتعلقة بزيادة أو تخفيض استثماراتهم أو إبقائها على ماهي عليه.

المستثمرون الحاليون والمحتملون

للتعرف على حجم العائد الحالي أو المتوقع ومدى كفاءة الإدارة.

الدائنون

للاطمئنان على تحصيل مستحقاتهم من المنشأة.

الأجهزة الحكومية

مثل المصالح الحكومية ووزارة المالية وزارة التجارة وديوان الرقابة العامة وذلك لأغراض مختلفة مثل:

  • جباية الضرائب
  • التخطيط الاقتصادي
  • منح الإعانات

وغيرها من الأهداف.

الموظفون والعاملون

للاطمئنان على استمرار وظائفهم ومستقبلهم الوظيفي في المؤسسة أو المنشأة.

الرأي العام

وهم الخبراء والباحثون والمستشارون الماليون والاقتصاديون والمؤسسات العامة وذلك لأغراض علمية أكاديمية ومهنية مختلفة.

المراجع

  • الانتقال من المخطط المحاسبي الوطني إلى النظام المحاسبي المالي الجديد، براهيم مبروكي ومحمد ولدرامول، معهد العلوم الاقتصادية والتجارية وعلوم التسيير، 2007، الجزائر.
  • عمر حنين، تطور الفكر المحاسبي، دار الجامعات المصرية، مصر، 1976.
  • رضوان حلوة حنان، تطور الفكر المحاسبي (مدخل نظرية المحاسبة)، 1998.
  • سيد علي ساعد، إسماعيل رزقي، دراسة نقدية للمخطط الوطني المحاسبي، مذكرة ليسانس، المدرسة الوطنية للتجارة، 2006.
  • كمال عبد العزيز النقيب، مقدمة في نظرية المحاسبة، دار وائل، الأردن، الطبعة الأولى، 2004.
  • حمد طرطار، تقنيات المحاسبة العامة، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1999.
  • خالص صافي صالح، المبادئ الأساسية للمحاسبة العامة والمخطط المحاسبي الوطني، ديوان المطبوعات الجامعية، الطبعة الثانية، 2003.
  • نعيم دهمش، محمد أبو نصار، محمد الخلايلة، مبادئ المحاسبة، دار وائل، الأردن، الطبعة الأولى، 1999
  • حسام الدين مصطفى الخداش، وليد زكريا صيام، عبد الناصر إبراهيم نور، أصول المحاسبة المالية، دار المسيرة، الأردن، الطبعة الثانية، 1998.
  • حمزة بشير أبو عاصي، مبادئ المحاسبة، الجزء الأول، دار الفكر، الأردن، الطبعة الأولى، 1999.
  • بو يعقوب عبد الكريم، أصول المحاسبة العامة، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1999.
  • خالد أمين عبد الله، سليمان عطية، فوزي غرايبية، نعيم حسني دهمش، هباء محمود جبارة، أصول المحاسبة، مركز الكتب الأردني، الأردن.
المحاسبة - نشأتها وطبيعتها ومبادئها وفرضياتها وفروعها
المحاسبة – نشأتها وطبيعتها ومبادئها وفرضياتها وفروعها